وصف أئمة الجرح والتعديل بالتشدد والتساهل
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حي الله الشيخ الحبيب، أستأذن فضيلتكم في كلام قرأته لبعض الفضلاء خلاصته :
أن التشدد - يريد تشدد النقاد - لو وقع ان كان يقع انما هو في الالفاظ والأوصاف ، وليس هو في نفس الأمر، فقد يقول الناقد مفردة شديدة، أما دلالتها فانها لا تخرج عما تحدث به بقية النقاد في حكمهم على ذلك الراوي، ولا خلاف في الأسس والمنطلقات ، والقواعد الكلية والدلالات، وانما تحمل ألفاظهم على الشدة.
وهذا الكلام يذكرني بما قاله أحد الباحثين: ان تقسيم النقاد الى معتدل ومتشدد ومتساهل، غير صحيح، وأن هذا التقسيم لم يكن معروفا عند المتقدمين؟
فهل لما قالاه حظ من النظر؟ أرجو الافادة أحسن الله اليكم فضيلة الشيخ الحبيب.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الله يحييك – فضيلة الشيخ – ويبقيك في طاعة وخير، وقد نص على التقسيم الحافظ الذهبي، وكفى به حفظا ومعرفة، خاصة في باب الرجال والجرح والتعديل، وربما تلمح أصل هذا التقسيم في كلام من قبله من الأئمة والعلماء، وهو – مع ذلك – أمر واقع مشاهد، ولا وجه لإنكاره، لكن ينبغي فهم هذا التقسيم على وجهه، فقد بالغ فيه بعض المعاصرين، وتحقيقه أن الأئمة كلهم أهل اعتدال في الأصل، وهذا من شروط قبول كلامهم في الجرح والتعديل، ثم قد ينزع الواحد منهم إلى التشديد في موضع، وقد ينزع إلى التساهل في موضع، بحسب الأسباب التي تعرض لهم في دراسة حال الراوي المتكلم فيه والحكم عليه، ثم منهم من تكرر ميله إلى التشدد، فهو الموصوف في التقسيم بأنه متشدد، ومنهم من تكرر منه التساهل، فهو الموصوف في التقسيم بأنه متساهل، وليس المراد أن المتشدد متشدد أبدا، ولا أن المتساهل متساهل أبدا، وبناء على هذا الفهم، فقد يتشدد المعتدل أحيانا، وقد يتساهل أحيانا، وقد يتساهل المتشدد أحيانا، وقد يتشدد المتساهل أحيانا، لكن الغالب على الجميع هو الاعتدال، ونقول إن فلانا من الأئمة تشدد إذا ضعف من وثقه الأكثرون، أو بالغ في التضعيف فوق ما قاله الأكثرون، ونقول إن فلانا تساهل إذا وثق من ضعفه الأكثرون، أو بالغ في التوثيق فوق ما قاله الأكثرون، فحينئذ نلجأ إلى قضية التشدد والتساهل ليلتئم كلامه مع كلام من خالفه، ونستفيد من التقسيم أن دعوى التشدد في الموصوفين بالتشدد أسهل من دعوى التشدد في غيرهم، ودعوى التساهل في الموصوفين بالتساهل أسهل من دعواها في غيرهم؛ لأن عادتهم المتكررة في التشدد والتساهل قرينة تدلنا على ذلك منهم، ثم التشدد يكون في اللفظ أحيانا، ويكون في مرتبة الحكم أحيانا، ويكون في الحكم نفسه أحيانا، فمن الأول أن يقول ابن معين: (لا بأس به) ويريد أنه ثقة، ومن الثاني أن يقول أبو حاتم: (لا يحتج به) وهو يوافق على قلة خطئه، لكنه يرى ذلك الخطأ القليل كافيا للتوقف والتحرز، ومن الثالث أن يقول ابن حبان: (يروي المقلوبات عن الثقات) وإذا فتشنا لم نجد ذلك منه، إلا هفوة يسيرة لا تساوي ذلك الحكم، فهو هنا يخالف في حقيقة الحكم، لا في مرتبة الحكم فقط، وفي الجملة، فهذا التقسيم مقبول، وقد استقر عمل العلماء عليه منذ قرون، من غير نكير، ولا يحسن بطالب العلم اليوم أن يشذ عمن سبقه، لكن الواجب – مع ذلك – فهم التقسيم على وجهه، وتنزيله منزلته، والتعامل معه بما يوافق القواعد ويناسب تصرفات العلماء، دون مبالغة وشذوذ من جهة أخرى، والله الموفق، وأستفيد مما عندك في هذه المسألة فضيلة الشيخ، والله ينفعني والمسلمين بعلمك.
لديك سؤال حديثي أو استشارة علمية؟ أرسل سؤالك