الخطب المختارة

معاني سورة «ق»

  • مرئية
  • مسموعة
  • مقروءة

نص الخطبة

بسم الله الرَّحـمٰن الرَّحيم

الحمد لله ربِّ العالَـمينَ، أشهد أن لا إلٰهَ إلَّا هو الإلهُ الواحدُ الحقُّ الـمُبِينُ، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله الأمينُ، صلَّى الله عليه وعلىٰ آله وصحبه أجمعينَ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ملءَ السَّمٰوات والأرَضينَ.

أمَّا بعدُ، فقد كان النَّبـيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – يُكثِر من قراءة سورة “ق” في خطبة الجمعة، حتَّـىٰ حفظها بعض الصَّحابة من فَمِه، وما ذٰلك إلَّا لأهـمِّيَّتها، ولفتِ أنظار المسلمين إلىٰ ما اشتملت عليه منَ المعاني العظيمة.

وقد نزلت هٰذه السُّورةُ الكريمة لتأكيد البعث والحساب والجزاء؛ ردًّا على المكذِّبين، وموعظةً للمؤمنين؛ ليستعدُّوا للموت، وما يَعقُبه منَ الحساب والسُّؤال، ثـمَّ الثَّوابِ والعقاب.

وقدِ افتتح ربُّنا السُّورة بقَسَمٍ عظيمٍ، فقال: ﴿قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ١﴾، أيْ: إنَّكم لَـمبعوثونَ يوم القيامة، ومحاسَبون علىٰ أعمالكم، ومجزيُّون بالحسنات وبالسَّيِّئات.

ثـمَّ ذكر – سبحانه – طرفًا من مجادلة المشركين في البعث، واستبعادِهم – بمجرَّد الظُّنون والأهواء – أن يُعِيد الله الأجساد بعد فنائها، فقال: ﴿بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ٢ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ٣﴾.

هٰكذا كذُّبوا خبر الله ورسولَه بغير علمٍ؛ ليتساهلوا بعد ذٰلك في الذُّنوب والمعاصي واتِّباع الشَّهَوات، من غير خوفٍ من حسابٍ أو عقابٍ.

فردَّ الله عليهم تكذيبهم، ونبَّههم على البرهان العقليِّ المشاهَدِ الـمُبطِلِ لكلامهم، فقال: ﴿قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ﴾، أيْ: من أجسادهم بعد الموت، ونَقدِر علىٰ ردِّها وإنباتِـها، ﴿وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ٤﴾، أيْ: حافظٍ لأعمالِـهم في الدُّنيا؛ ليُسألوا عنها يومَ القيامة.

ثـمَّ قال: ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ٥﴾، أيْ: مختلِطٍ متضاربٍ، ﴿أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ٦﴾، أيْ: شقوقٍ، ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۢ بَهِيجٖ٧﴾، أيْ: حسنِ الـمنظَر، ﴿تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ٨﴾، أيْ: لأجل أن يتبصَّر بها النَّاظر، ويتذكَّر بها الغافل، ﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ٩﴾، أيِ: الحبوبَ الَّتي تحصُدونها؛ لتقتاتوا بها، ﴿وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ﴾، أيْ: طويلاتٍ، ﴿لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ١٠﴾، أيْ: متراكبٌ مُتَرَاصٌّ في أكمامها، ﴿رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ١١﴾، أيْ: كإحياء الله الأرضَ بعد موتها – بقدرة الله ومشيئته – خروجُ النَّاس من قبورهم يومَ القيامة، وكفىٰ به دليلًا واضحًا لكلِّ مُنصِفٍ.

ثـمَّ حكىٰ ربُّنا – سبحانه – تكذيب مَن قبلَهم منَ الأمم، وذكَّرَ بـمآلَـهم إلى الخسران والهلاك، فقال: ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ١٢ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ١٣ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ﴾، وهم قومُ شُعَيبٍ، ﴿وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ١٤﴾.

ثـمَّ نبَّه – سبحانه – علىٰ برهانٍ عقليٍّ آخرَ علىٰ جواز البعث، فقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ١٥﴾؛ فالَّذي ابتدأ الخلق منَ العدم قادرٌ – بالأَولىٰ – علىٰ بعثهم من جديدٍ بعدَ الموت، وهو دليلٌ واضحٌ، لا يبقىٰ للمخالف بعده إلَّا أن يتَّقِيَ الله ويستجيبَ للحقِّ.

فوعظ الله المخاطَبين موعظةً تقتضي الإنصاف والتَّسليمَ؛ لأنَّه يَبطُن سرائرهم وما يُضمِرون منَ المقاصد الفاسدة في تكذيبهم وجدالهم، فقال: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ١٦ إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ١٧ مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ١٨﴾، فهٰذانِ الـمَلَكانِ موكَّلانِ بكتابة أعمال العباد من خيرٍ وشرٍّ؛ لتكونَ حجَّةً عليهم في الحساب يومَ القيامة.

ثـمَّ وصف – عزَّ وجلَّ – الموت وما يعقُبه منَ البعث الَّذي يُنكرُونه؛ ليتَّقوا ويُعِدُّوا للحساب عُدَّته، وللسُّؤال جوابَه، فقال: ﴿وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ١٩﴾، أيْ: تـهرُب وتَروغُ؛ خوفًا منه، وطولَ أملٍ في الدُّنيا، ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾، أيِ: القَرْن، نفخةً عظيمةً تبعث الموتىٰ من قبورهم، ﴿ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ٢٠ وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ٢١﴾، أيْ: مَلَكٌ يسُوقُها إلى المحشَر والحساب، ومَلَكٌ يَشهَد عليها بأعمالها في الدُّنيا، ﴿لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ٢٢﴾؛ فأنتَ اليومَ ترىٰ بعينك ما كنت تكذِّب به قبل موتك.

ثـمَّ ذكر – جلَّ جلالُه – تخاصُم المشركين وشياطينِهمُ الَّذين أضلُّوهم، فقال: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ٢٣ أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ٢٤ مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ٢٥﴾ أيْ: ذي ريبٍ وشكٍّ في البعث، ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ٢٦ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۢ بَعِيدٖ٢٧﴾، وهٰكذا يتبرَّأ الـمُضِلُّون من أوليائهم يومَ القيامة، ثـمَّ يَفصِلُ الله بينهم، ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ٢٨ مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ٢٩﴾.

ثـمَّ وصف ربُّنا – سبحانه – ما أعدَّ للمكذِّبين وللمؤمنين منَ الجزاء، فقال: ﴿يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ٣٠﴾، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تزال جهنَّمُ تقول: (هل من مزيدٍ)؟! حتَّـىٰ يضعَ فيها ربُّ العزَّة – تبارك وتعالىٰ – قَدَمَه، فتقولُ: (قَطٍ قَطٍ وعزَّتِك)، ويُزوَىٰ بعضُها إلىٰ بعضٍ».

ثـمَّ قال تعالىٰ: ﴿وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ٣١ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ٣٢﴾ أيْ: حافظٍ لأمر الله، لا يَغفُل عن طاعته، ﴿مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ٣٣ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ٣٤ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ٣٥﴾ وأعظم الـمَزِيد رؤية وجه الله تبارك وتعالىٰ.

فاللّٰهمَّ، ارزقنا الجنَّة، ووفِّقنا لِمَا يقرِّب إليها من قولٍ وعملٍ.

عباد الله؛ فاتَّقوا الله وتوبوا إليه؛ إنَّه هو التَّوَّاب الرَّحيم.

الخطبة الثَّانية

الحمد لله حتَّـىٰ يبلغ الحمد منتهاهُ، أشهد أن لا إلٰهَ إلَّا هو شهادةَ الرَّاغب في رضاهُ، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله مصطفاهُ، صلَّى الله عليه وعلىٰ آله وصحبه ومن تبع هُداهُ، وسلَّم أتـمَّ التَّسليم وأوفاه.

أمَّا بعدُ، فلا نزال نتفيَّأ ظلال سورة “ق”، ونجنـي الفوائدَ العظيمة من دِلالاتها القويمةِ، نرجو بفهمها صلاحَ القلوب، والِاستقامةَ علىٰ مراد الله سبحانه وتعالىٰ.

وقد ذكَّرَ الله المشركين – بعدَ أن أَبْلَغَ في إقناعهم ووعظهم – بما فعل بأسلافِهمُ الَّذين كذَّبوا أنبياءه، فقال: ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ٣٦﴾، أيْ: فتَّشوا عن مَهرِبٍ من عقاب الله؛ فلم يجدوا مفرًّا من عذابه، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ٣٧﴾.

ثـمَّ رجع ربُّنا – جلَّ ثناؤه – إلىٰ أدلَّة البعث الـمُبطِلة لاستبعاد المشركين؛ إمعانًا في قطع لِـجَاجهم، فقال: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ٣٨﴾، أيْ: مِن تعبٍ؛ خلافًا لدعوى اليهود، ومن خلق هٰذا الكونَ العظيمَ قادرٌ علىٰ إعادة خلق الإنسان بعد موته.

ثـمَّ انتقل الكلام إلىٰ نبيِّنا – صلَّى الله عليه وسلَّم – يُسَلِّيهِ الله ويواسيه، فقال سبحانه: ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾، يعني منَ التَّكذيب والجدالِ بالباطل، ﴿وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ٣٩﴾، أيْ: في صلاة الفجر وصلاة العصر، ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ﴾، يعني: في صلاتَـيِ المغرب والعشاء، ﴿وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ٤٠﴾، أيْ: بعدَ الصَّلَوَات.

ثـمَّ أرشده – سبحانه – إلىٰ ترقُّب وعدِه يومَ تحقُّقِ البعث والحساب، فقال: ﴿وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ٤١﴾، يُنادي إسرافيلُ الـموتىٰ ليقوموا أحياءً من قبورهم، يناديهم من مكانٍ قريبٍ؛ فيسمعونه ولا يخفىٰ عليهم صوتُه، ﴿يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ﴾، وهي النَّفخة في الصُّور للبعث، ﴿ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ٤٢﴾، أيِ: الخروجِ منَ القُبور للحساب والجزاء.

ثـمَّ أكَّد ربُّنا حقيقة البعث، وصوَّرها للسَّامعين حتَّـىٰ كأنَّـها رأيُ العين، فقال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ٤٣ يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ﴾، أيْ: تَنبُت أجسادُهم فيقومون مسرعِينَ إلى أرض الـمَحْشَر؛ استجابةً لأمر الله سبحانه، ﴿ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ٤٤﴾، أيْ: سهلٌ؛ فلا يُعجِزنا، ولا يُثقِلنا؛ فلا وجهَ لاستبعاده والتَّكذيبِ به.

ثـمَّ ختم ربُّنا – عزَّ وجلَّ – السُّورة بوعيد المشركين، وتذكيرِ النَّبـيِّ – صلَّى الله عليه وسلًّم – بأنَّـهم لا يضرُّونه بتكذيبهم شيئًا، وإنَّـما عليه البلاغ، وإلى الله وحدَه الهداية والضَّلال، والحسابُ والجزاء، فقال تعالىٰ: ﴿نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ٤٥﴾، ومن تمكَّن منه الكِبر وأصرَّ على العناد؛ فقد ختم الله علىٰ قلبه، ولن يُقنِعَه دليلٌ، ولن تنفعَه موعظةٌ.

فهٰذه سورةٌ عظيمةٌ؛ فأكثروا من قراءتها، وتفهَّموا معانيَها، واعتبروا يا أولي الأبصار؛ فاستعدُّوا ليوم الحساب، واعملوا أنَّ الجنَّة نَعِيمُ الأبد، وأنَّ جهنَّمَ عذابٌ لا يَنقضي؛ فاعملوا لرضوان الله وثوابه، واحذروا سَخَطه وعقابه.

اللّٰهمَّ، أعِنَّا علىٰ ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، اللّٰهمَّ، حبِّب إلينا الإيمان، وزَيِّنْه في قلوبنا، وكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا منَ الرَّاشدين، ربَّنا، آتنا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنَا عذاب النَّار.